محمد بن عبد الله الصفار
94
رحلة الصفار إلى فرنسا
في حد ذاته ، وفيه إدراك للحقيقة . وفي ذلك الإطار قدم الصفار جاهدا شروحا دقيقة حول مجموعة من التجارب العلمية المليئة بالألغاز ، كما أحصى بالعد والعدد الشموع المضيئة لإحدى قاعات الأكل . بالإضافة إلى نقله الأمين لأشكال القناطر وبنياتها وتصاميمها الهندسية المعقدة . وإذا كان الصفار حريصا على تصوير تلك الأشياء بكل تفصيلاتها ، فإن هدفه لم يكن مجرد الوصول إلى تقديم صورة عنها أقرب إلى الحقيقة ، بل هو أنه يؤكد لنا بالبراهين عمق وجوده الفعلي بين أحضان تلك الأشياء الموصوفة . وبالرغم من أن الوفاء والحرص على مسايرة التقليد ، كان جيل محمد الصفار لا يزال يعتبره مقياسا أساسيا للحقيقة ، فإن تأكيده على فردانيته ، وتقديمه لتجربته كعمل مستقل وقائم الذات ، هو بمثابة مؤشر على بداية ظهور الجديد ، وبأسلوب أدبي أكثر واقعية ، يجمع بين الحاكي والمحكي عنه بشكل أكثر حميمية وإيحاء بالألفة مما كان معهودا في الماضي . إنها ليست مجرد تفاصيل وتدقيقات لأشياء ورد الحديث عنها بطريقة اعتباطية حبا في ذكر التفاصيل لذاتها ، بل هي في واقع الأمر تأكيد للذات ، وتنبيه إلى أن الأمر يتعلق بصدفة لقاء حقيقية مع الجديد « 1 » . وعلاوة على ذلك ، فإن الصفار يفرق بطريقة متأنية بين ما شاهده بعينيه ، وبين ما قاله الآخرون له ، وفي هذا مزيد من الرفع لمقدار مصداقيته . إذ تكررت عنده عبارات من قبيل : « يزعمون أن » ، أو « يقولون إن » ، وما شابهها من المؤشرات المنبئة بأن الخبر الوارد قد أتاه من مصدر ثان ، ربما كان هو الترجمان المرافق لأعضاء البعثة ، مما يجعلنا ننظر إلى الخبر بعين الريبة والحذر على الفور . وتنبه الصفار إلى أن الفرنسيين كانوا يسلكون خطة مدروسة بإحكام من خلال برنامج الزيارات الذي حضروه لإطلاع أعضاء البعثة على مختلف مظاهر الحياة الفرنسية . فقد ظل المغاربة تحت المراقبة المباشرة لمضيفيهم الفرنسيين ، فنقلوهم من مواضع سياحية إلى أخرى ،
--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال رحلة الغساني ، افتكاك ، التي لا توجد فيها سوى أوصاف مقتضبة للأشياء التي شاهدها الرحالة المغربي بالمقارنة مع ما قدمه محمد الصفار . وعن تنامي الواقعية في كتابه القصة في الأدب الإنجليزي خلال القرن الثامن عشر ، انظر : Ian Watt , the Rise of the Novel : Studies in Defoe , Richardson and Fielding ( Berkeley , 1957 ) , ch . 1 .